نشرة الأخبار

آخر المواضيع

‏إظهار الرسائل ذات التسميات كان يا ما كان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كان يا ما كان. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 يونيو 2013

أحلام العصافير



روايتي اليوم  الأحد 30/6/2013م بجريدة الوطن ملحق أشرعة الثقافي

أحلام العصافير
كانت بغرفتها تقرأ روايات لا تنتهي ، نسيت حتى إرتشاف قطرات الماء ، بينما دمعها المتساقط يختبئ في صحيفتها التي بين يديها وكأنها مدانة ، تحاول أن تبعد نفسها عن مطارق البشر، حتى فنجان قهوتها أصبح باردا، أخذتها الرواية إلى إسبرطة وسحبتها ذاكرتها إلى معركة خايرونيا و الأسرة اليوريبونتية ، والتي قتل فيها أرخيداموس الثالث ملك إسبرطة ، تخيلت حد السيوف تهوي على رقبتها ، لم يبق بينها وبين الموت سوى حطام كاد يدمر واقعها ، وفي تلك الأثناء دخلت عليها جدتها اليونانية الأصل ذات الملامح الهيلينستية ، وهي تتأطئ رأسها وكأنها تود مقابلة وزيراَ لا حفيدة ، إن زارا " zara " ذات شخصية تتمتع بالقوة والذكاء من يراها يشعر بأنها تلجم جواد أكبر جندي من حراس قلعة أبيها ، تتمتع بسمات قيادية في جلباب أنثوي ، عشقت " zara " الفن والأدب الإغريقي القديم ، كثيرا كانت تسأل عن والدتها والتي لا تذكر شيئا من ملامح وجهها ، حين تغرقها تلك الأساطير اليونانية في قعرها ، كانت ترسل لها أوتوجرافا مع الطائر هاربي ذلك الطائر الذي عرفته الأساطير اليونانية القديمة الذي يشبه وجهه وجه الأنثى وجسمه جسم طائر ذات ريش مروحي ، ورغم ذلك كانت القيود تشدها لكي تبحث من خلال وثائق والدها عن ذكريات والدتها وبين جدران شفاه صمت جدتها أدركت الحقيقة ، إنها تشعر وكأنها أميرة بدون مصير ، كثيرا كانت تريد أن تسبق طموحها ، فهي تشعر بأن العمر يجري وبأن خطواتها لا مستحيل ، ورغم توحد الألم بداخلها إلا أنها في لحظة من لحظات أعياد الكنيسة تسحب أنفاسها المتثاقلة ، وفي 15 آب ليلة عيد العذراء مريم أثناء تلاوة الأناجيل المقدسة غرقت " zara " في نهر من الدمع بأعين متشابكات يحرقها أسى الماضي ، حتى حملها أساقفة الكنيسة الكاثولوكية بأمر من البابا بيونس الثاني عشر إلى لابرشيتنا السريانية بإنطاكية ، وهناك هبطت تحت ظل النخيل تزفها عصافير ملطية وطرطوس ، وجدت كل شيء قد تغير بالنسبة لها ولأول مرة كانت تسمع صوت المآذن بدلا من قرع أجراس الكنائس ، حاولت أن تجد من يفهما لحظة أن دارت بها الأرض دورتها فلم تجد سوى إثنان أحدهما من النصارى الأرثوذكس، والآخر من النصارى الأرمن ، وحين أرادت أن تستفهم قاطعوها قبل أن تكمل سؤالها ، بأن شواديف البابا قد ألقت بك هنا لأنك حملتي دماء أم مسلمة تزوجت إسبرطي من الأرثوذكس ، رفضت ترك دينها ، دفعتي أنتي بسببها حمل جينات وراثية من دماء عربية مسلمة ووالد أرثوذكسي فلفظتك الكنيسة برمتها ، تسلل في حلقها خيط من الدم ، ولم تعد تدري في أي ثوب تتوارى ، بتلك الأثناء حملتها إحدى العجائز إلى بيتها ولحظة دخولها الباب سرت بقلبها قشعريرة من صمت ، أحضرت لها العجوز لبنا وتمرا ، رفعت " zara " رأسها لتلك العجوز حتى غام الدمع في عينيها واحتبس الكلام بباب شفتيها ، تمنت تلك المرأة العجوز أن تنطق" zara " و تتحدث لتسمع حديثها وبلحظة قاطعتها لتقول لها : هل أنا ولدت من رحم الخطيئة ؟ وهنا قاطعة العجوز " zara " قائله لها : بالطبع لا ، ولكن والدتك فقط خرجت عن دينها ، فالمسلمة لا تتزوج بالأرثوذكسي ، إن امك سيدة عربية جمالها يشعل اللهب ، وقعت بحب والدك فلفظتها العادات والقيم حين عانقتها ذراع الكنيسة بدلا من أن تعانقها أبواب ومآذن المساجد بليلة زفافها ، شعرت بأن شيئا ما بداخلها يحترق ، ولكن إبتسامة تلك العجوز الوديعة قد اطفأ عنها الحرقة ، لقد إنتظرت " zara " طلقة توقظها لتسحب مخيلتها إلى كبد السماء ، ولكنها أحست بأن شروق الشمس لا يزال بعيدا ، بدأت تعد الحصا ، حتى تعبت ونامت بحضن تلك العجوز ، بدأت العجوز تستعيد تفاصيل أنثى ذوبتها سنوات ثقال ، تناقلتها ألسن العامة ، بعضها تهالكت على مدى الأعوام ، تستعيد مخيلتها بيوت زرقاء من الطين ، تمر من أزقته الصبايا في شارع من الدم الأحمر يسمى شارع الموت ، على أعتابه تذبح كل فتاة يكتشف بأنها مرتبطة بقصة حب لا ينتهي مع رجل قبل زواجها ، بقيت شاردة الفكر تنظر ل" zara " لم تستطع نسيان تلك الورود الذابلة التي فُضحت قبل أن تغفو في الظلام ، حملت حزنها على شال ملطخ بدماء العار الذي تخطى حاجز الفضيلة ، بدأت تجوس أمام عينها تلك الفاتنة الشقراء التي هربت مع رجل كاثولوكي حتى وصلت إلى الكنيسة الأرثوذكسية ، وبتلك الأثناء حماها اساقفة الكنيسة من شارع الموت المغرق بدماء الفاتنات ، بدأت تتهادى خطوط الكف بيدها وكأنها بين الأمس واليوم فنزلت دمعة على وجنة " zara " أحرق شالها قبل أن يحرق الدمع خدها ، بدأت على جريان الدمع تفتش التذاكر على خد " zara " وكأنها تغص بذكريات الراحلين ، فتحت " zara " عينيها على صوت المؤذن للصلاة لحظة أن نظرت لتلك الإبتسامة العذبة بأحضان العجوز وهي تلاعب خصلات من شعرها ، تدثرها ذكريات المارين أمامها لسنين فقالت لها : أنه صوت المؤذن للصلاة ، وفي تلك المساءات الطويلة بدأت ترقب " zara " العجوز وهي تصلي ، وكغيمة وارفة أجهشها الدمع طلبت منها أن تعلمها الصلاة ، تناست تلك العجوز حزنها وهدأت روحها على برد غطى جمر الحقيقة ، وهنا أعلن ولادة أميرة شقراء أنيقة نهضت على باب بيت تلك العجوز ذكريات المشمش وأورقت خلالها شجرات الزيتون لحظة أن لقنها إمام المسجد الشهادتين وأصبحت " zara " الأمس هي زهرة اليوم ، وغاب عن خاطرها صوت الكنائس ومزامير الأعياد ، وفي تلال تلك البيوت أصبحت " zara " الأمس زهرة اليوم تستحم بأشواق المساء على تراب الشام العتيقة ، يحاكي الجمال مزارها الطفولي ووجهها البريء تنشد خيط العمر ، وتغزل مروج الياسمين على أغنية المسافر ، وأصبحت كشمس حمص الدافئة ، على شفتيها إبتسامة الوداعة ، ورغم ذلك كانت ترتشف حزنا بداخلها كما ترتشف الأرض قطرات المطر، ولكنها كانت قوية بدينها لا تبث أوجاعها سوى لربها ، وحين يظهر على راحتيها التعب تنادي أماً ضيعتها السنين ، بقيت أسئلة تتدفق في روحها ، ترى هل ذبحت والدتها بشارع الموت مع من ذبحن بسبب وطأة الحب والهوى ، بدأت كالمكلومة تستدعي الرسام ليرسم صورة أمها ، فرسم عذراء بصليب ، إذ كيف يرسم نجمة لاحت لم يرها أبدا ، وعلى أنهار الرؤيا تبخرت صورة والدتها ، وتبعثرت أشواق على رمل حملته رياح السنين ، وبقيت كلما تسمع نداء العرافة تستعيد آنية ذكريات السنين ، بقيت " zara " الأمس زهرة اليوم كصبح رافل ، تستر وجعها بصوت المؤذن لتبقي ذاكرتها منتصرة ، وبقيت ترعى تلك العجوز لسنين ، وبقي قلبها تسكنه تلك السيدة التي حملتها معها إلى بيتها فأطعمتها التمر وسقتها اللبن بلحظة عطش شديد عندما لفظتها شواديف البابا في 15 آب ليلة عيد العذراء مريم أثناء تلاوة الأناجيل المقدسة حين أمر بحملها البابا بيونس الثاني عشر إلى لابرشيتنا السريانية بإنطاكية مع أساقفة الكنيسة ، وبدأت رحلتها اليانعة على أنطاكية واللاذقية ، تناوشها أغاني على درب شتاء لا ينتهي ، حملت كتاب الحضارة معها وجلست " zara " الأمس زهرة اليوم على أريكتها في حمص مع عام 2300 قبل الميلاد بتضاريسه ومجازره وحدوده الصاخبة تزرع تاريخا من شتاء وتاريخا من صيف على بسمة لاجيء إمتطى جواد الصبر ، ولولا أقدام جدتها العجوز دخلت عليها وأيقظتها في لحظة إنسجام تام مع الحضارة اليونانية وقد بلل المطر المتساقط من عينيها الوسادة لبقيت ترحل مع جزر وأرخبيل لا ينتهي بها ، تحملها فكرة فتاة قاتلها التاريخ على زنزانة تستغيث بالمساء ، ولحررت وشما من تاريخ الحضارات العتيقة على يديها في لحظة ظنت فيه نفسها بأنها الحمصية جوليا دومنا ابنة الكاهن الأعظم لإله الشمس في حمص وزوجة الإمبراطور "سيفروس الأول" ، وبقيت تناجي كتابا جديدا من الحضارة اليونانية لم يفتح بعد ، مجسدة واقع جميل ، فارغ من كل شيء ، سوى من روح وماضي لا ينتهي ، إنها تلبس جلباب من أحلام العصافير الذي لا يزال يسري فيه عشق من الحضارات اليونانية والإغريقية مرورا بالأدب السريالي تعكف فيه على دراسة واقع من الحضارات العتيقة ، لا تخاف فيه على نفسها لعنة فراعنة أو من مشنقة وطن متعدد الحريات والحضارات منفتح على خارطة العالم .
بقلم : السهاد البوسعيدية
http://www.alwatan.com/dailyhtml/ashreea.html#7

الاثنين، 25 مارس 2013

الرقص على جثث الأموات

 

بات يتقلب على فراشه بعد عناء سهرة طويلة تفوح رائحتها نبيذا على صدر أنثى دنستها الرذيلة بات يفكر عما فعله في ليلته حين القى احدهم عود السيجار في كأسه ونفث الدخان بوجه حتى كادت رئته تتمزق ، شعر لحظتها بأنهم أحياء دنستهم الخطايا والتحفو بغطاء الرذيلة فأصبحوا عبيد الشهوات على أجساد الغانيات حين افاق على عجز شديد بسبب قدرته التي تخونه ، بات حتى فجره يتسرب تحت خباء ليلة تفوح منها رائحة عفنة شبيهة بتلك الرائحة المنبعثة من جثث الموتى حين تترك فترة لا يعرف عنها احد دون ان تحظى بكرامة الميت ودفنه ، في ليلته تلك كان أشأم من اي وقت مضى ، بعد ان كان يعيش عيشة البسطاء أحلامها تحتضن روعة الشفق وقت الغروب ، ليلته كان يوصلها بنهاره يرفع فيها أذانه معلنا اوقات صلاته حتى يكاد من صوته يسجد الشجر ويوقظ الحجر وينهض ساكني القرية ، حين ماتت امه شعر بأنه كبر وشاخ فقد كانت هي كل شيء بالنسبة له الأب والأم والأخت والحضن الدافئ فأصبح اشد حزنا من الماء حين يتحول إلى مستنقع من الطحالب داهمته الوحدة فعاش مزدحما بملايين الأفكار ، شعر بأنه لم يبقى له من شظف الوقت سوى غيمات يلبسها الحزن على طوارق ونكبات الحياة ، لم يكن له صديق ولا صاحب سوى عود السيجار متنفسا يحرق دورته الدموية دون ان يدري ، وفنجان القهوة الذي ادمن رائحته وجعله يكثر من إشتهاء السهر ، حتى تحول جثه على طرف نعش يلتهم اللحم دون شبع في مستنقعات الحانات والأزقة الضيقة ، فينهض بعدها رجلا كسيحا تحت بساط الفقر ومخدة الأنيميا لا صراط ولا مستقيم ، ولحظة خروجه من حانات الفجور عاش مسرطن الدم خاسر الحياة يتعثر الخطى مارا بقبور الأموات حتى تكاد منه القبور تطلق صرخاتها ، وتحت وطأة أنين العجائز يسترجع ادق تفاصيل حياته ، ومن خلف ظهره بقايا جراح تدمي صدره ، حاول ان يجد من تشبه أمه وتذكره بها وبداخله شيء ما يناديه بأن هذا محال ، فمشى محاولا مسح جراحه في طريق مليء بالتناقضات فجميع النساء الذي تعرف عليهن سابقا ما هن سوى محض صدفة تستحق كل واحدة منهن سياط الجلاد تحت رمال الشمس الحارقة حتى تموت وتدفن هناك ، جميعهن ماهن سوى جسرا يعبرن به من خلال اقنعتهن الزائفة سرير العشق ، جميع مغامراته مع صاحباته تشبه العمل الروائي يستحق الإخراج ، لقد عرف ان الحب ما هو سوى صندوقا مليئا بالعجائب والأسرار مخبئ في صدر حواء حين تلتهم السيجار المشتعل وتطفئه تغير التاريخ في اقل من دقيقتين ، فشلت جميع محاولاته في العثور على إمرأة فاضلة في قرن عشريني كأمه من هي تلك التي تقبل به وتحتمل طيشه كما احتملت أمه أباه ؟ فهو كموج بحر هائج حين يثور مائه في مد وجزر متحول متقلب مليء بالتناقضات ، وسوء تصرفاته تسبق رومانسية تفكيره الساذجة على حانات الغرب والشرق معا، حين ينثرها على شفاه عاهرات الملاهي الليلة لدرجة انه كون سجلا متراكما عن تجاربه مع النساء ليلة بليلة حتى أفلست جيبه انتظر قطار نصف الليل ليبحث عن فتاة كانت قد نشأت معه وهو صغير بعد ان ماتت أمها بحمى النفاس فتركها والدها مع أمه لترعاها وما ان بلغت التاسعة من العمر أخذها والدها معه لترعاه اثناء مرضه وانقطعت عنه أخبارها ، لقد شعر حينها بما انها تربية والدته فهي حتما مختلفة عن كل النساء التي تعرف عليهن من عالم الجنس المثير فستتقبل عشقه وتصرفاته الطائشة على علاتها فقد عرفها كزهرة اللوتس على ضفاف النهر الجاري عبر تجوال الحياة إمتزج طهرها مع طهر ارض تنعشها حبات المطر لم يعد يشم في طريقه سوى رائحة التراب ومنظر الارض الرطبة فتخيلها مع كل هؤلاء طفلة متوردة الوجنتين تهطل البراءة من أحداقها لتروي زمن العفاف في عصر دنسته الرذيلة على سيقان العاهرات ، سمح لنفسه في ذلك اليوم للآمال بأن تجدد نفسها في طريقه وللأمنيات بأن تداعب روحه سحبته أفكاره مع وقع خطواته فأصبحت أوراقه الذابلة منتعشة على بريق الصباح عطرتها برائحتها عفاف التي كانت أمامه عالم يغلفه المستحيل على ورق الأزهار الذابلة تعلن موتها مع ملامح الزمن الذي تصبغه ضياء الشمس في أكفان ميته تبا لهذه الطقوس الغريبة التي تتشكل كالو هم المستحيل حين تسري في الوريد لقد نظر إلى المرأة فوجدها تفقد أنوثتها في مكان بلا هوية تستنزف كل طاقتها بين سكر وعربدة في ملاهي ليلية وعلى جنبات حانات تتقن فن الخداع بلحظات ممارستها للهوى بينما على الزاوية المقابلة هناك من يتنفس الصمت بحثا عن رغيف خبز في أكوام القمامة في حين تنثر ورقة نقدية على رعشة خصر الراقصات التي يتوهمن ثوب الفضيلة بعد ان لبسن رداء الرذيلة الذي سممته الخطايا حين اعلنت العاهرة رقتصها بإشتهاء عفن مفاتنها إنها سخرية القدر على أقدام فرعونية في كهوف المقهورين المحنطين بجثث الموتى في حين يرقص الآخرون عليهم غير عابهين بمشاعر تبررها الدموع ويغطيها الوجع كل ذلك حمله معه في القطار حين اطلق رصاصة أفكاره يقذفه جنون عفاف على أبواب دارها جرى من محطة القطار يسابق أنفاسه حيث طهر الفضيلة التي ربتها والدته على يدها وهي لحمة حمراء ومع كل حلم كان يعانق الخيال في سجن الهذيان وما ان طرق الباب حتى فتحتله إحداهن ببدلة الرقص وهي تنادي زبون جديد يا معلمتي فقالت : دعيه يسبقني الى حيث اطلق صرخاتي هناك وما ان رأها سيقان تهرول دون ترتيب حتى فقد حسه فعلم بأنه لن يعيش سوى عربيدا يشتهي الحانات وكؤوس الخمر وأجساد راقصات الهوى عاتبها بلحظة إشمئزاز مستقذرا رائحتها إذ كيف بتربية أمه أن تكون كذلك ؟ حتى لمح الإجابة في عينيها تصفه بأنها تلميذة صغيرة في مدرسته التي يتردد عليها لتكشف عن ذاته وأنها بموت والدته لم تجد لها رحما لتكمل فيه تكوينها سواه لحظتها فقط شعر بأن القلب تنبت فيه أوجاعا اخرى اشد إيلاما أعلنها كصرخات مدوية بأن يلعن بسببها كل أنثى ويلعن معها ذاته لقد احب اسمها يوما دون ان يعرف ماهية الأسماء خرج يترنح حاملا حقيبة الهذيان ومع غروب الشمس توارى خجلا يلبس ترانيم الوجع بالقرب من المحطة الاخيرة لحدود الحياة حين تخيلها كشيطان بدون ملامح تعرض جسدها العاري على عصارة الظلام وسط قبلات ملوثة بالعناق تفوح منه رائحة الأموات بأقدام العمر وحين يتخفين بجلال الموت على حافة جسر ليال موحشه لحظة شرود الروح الحقيقية بغطاء الكفن ، ينبلج النور وتتلاشى العتمة بعد انقضاء العشرة ، حينها فقط ترتاح جثث الأموات من الرقص عليها

بقلمي : السهاد البوسعيدي

نشرت بجريدة الوطن ملحق أشرعة الثقافي

 

الثلاثاء، 19 مارس 2013

بقلمي : فتاة قروية نزلت بأراض مكسيكية

 

نشر باشرعة جيدة الوطن

 

لم تسمع حتى الأبواب قصتها وهي تُسلِم روحها لخالقها ، باتت من الحزن  متثاقلة ومن شدة الحزن  حتى ستائر  مكتبها شعرت بها  فأصبحت معها تقطر هماً وتشاركها وجع الحزن ، وبقيت نافذة قلبها  مخدوشة الأوردة تسيل دماً ، من طبعها السكون والوحدة والخلود للنوم  ومن ثم إستقطاع جزء من وقتها للكتابة ليس لها من مخالطة النساء  شيء  ، او مشاركتهن لغو الكلام  فهي هيكل ترتعش  كما يرتعش مريض الحمى  من الألم   في زحمة التجمهر والتجمع النسائي  ولما كان من طبع حواء الكيد والحسد آثرت ان تنفرد مع نفسها بعيدا  فكرهت  المزاح  والثرثرة مع النساء  وعشقت الورقة  والمحبرة  فأصبحت تلهو بالقلم وتلعب بالكلمة فلا تروق لها الكتابة إلا بصحبة فنجان قهوتها المحلاة بالسكر ، على صحن الشمس المتطايرة  وهي تعلو السماء ، لم يكن لها صديقة سوى والدتها البعيدة عنها منذ طفولتها رغم الزمان الذي جمح بها وسحبها بعيداً ظلت كشجرة دامية تكتب للزمن بحبر لا يجف تعيش بمفردها تراوغ قطرات الطل في سكون النفس وصمت الوحدة كثيرا ما تشتهي طفولتها كربيع يشتهي رائحة الزهر وأوراق الورد ، هي أنثى تحتسي وجعا لا ينسيها حرقة الوجع سوى الغطس في زحام العمل بين الأوراق والمكتب ، في شرايينها شيء من الذكرى ينادي تراث  وطن وحضارة أمم ، فنجان قهوتها يسحبها لقلاع  رائحتها من آجر الطين وأبراجها شامخة كل ٍمنها يشهد عليه ماضيه الذي يدعو للفخر لما لعبته من تاريخ سياسي ٍوإقتصادي وكذلك دينيًٌ وإجتماعي ، حين نظرت إلى قاع فنجان قهوتها رجع بها التاريخ إلى حضارات عديدة كحضارات فارس وبلاد ما بين النهرين فتذكرت قلعة بهلاء في وطنها الأم وما لعبته من دور إستراتيجي في الفترة السابقة لإنبلاج فجر الإسلام  إحتست وجعا وكتمت دمعها كعادتها وهي تعيش أنين الغربة في بلد كالمكسيك  ورغم عشقها للسفر والسياحة إلا انها تشعر بالحنين للوطن سريعا ولكن رغبتها في دراسة الحضارات جعلها تغوص في رمال الغربة  ، وفي شوارع المكسيك سيتي جلست بأحد المقاهي لتنظر إلى خارطة معالم المكسيك لمحت بأحد المحلات وقد كتب عليه بخط كبير الإفرسك ، ومن عادتها لا تهدأ حتى تبحث في معجمها عن معاني الكلمات خصوصا تلك الغريبة منها ، ففتحت معجمها الإلكتروني لتبحث عما تعنيه كلمة " الإفرسك" في قاموس اللغات تعبت في البداية كثيرا وهي تقوم بأرجحة الكشاف للبحث عن الإفرسك حتى اعياها التعب فنامت على طاولة المقهى  وهي تسكب بعض أنأت من التعب بعدما جرجرة قدميها بشوارع المكسيك ، نامت على طاولة المقهى وبرأسها  تحمل غموض الإفرسك  أطالت النوم حتى أتاها الجرسون ليوقظها في هدوء حين قال لها : لقد أطلت النوم سيدتي هل من خدمة اقدمها لك ، رفعت رأسها إليه وقد بلل النسيان مرقدها بعد أن نهضت في غموض لتقول له : لقد برد فنجان قهوتي احضر لي غيره . وحين عادت من جديد لتفتح معجمها الالكتروني كانت بطارية الجهاز قد اعلنت النهاية فبقيت وحدها هي وفنجان قهوتها دون جهاز يساعدها او حتى أوراق تؤنسها لساعات  طوال لتكتب فيها زبد المغيب ووجع الشوارع ووحشة الغربة ، ارتشفت فنجان قهوتها في عجالة لحظة أن لمحت شقاوة الأطفال وصراخهم بين أزقة المقاهي وشوارع مكسيك سيتي ، حملت حقيبتها في جو شتوي تخربش الأرض بأقدامها كخربشة هؤلاء الصغار في وضح النهار تذكرت زمان آخر يحملها إلى موطنها لحظة ما أن شمت رائحة الخبز في الفرن على يد الخباز وقفت برهة من الوقت وأغلقت عينيها لتتخيل بيوت الطين والهواء يحرك أغصان النخيل وقت غروب الشمس وخرير الماء يداعب سواقي افلاج نزوى ورائحة الخبز العماني تتقاطر من بين بيوت الطين وهي منحدرة من اعلى قمم الجبال الشاهقة لتفتح  الشهية   على معدة جائعة في بلد غربي تشتهي  بها في غربتها الطعام العربي أحست حينها ان قلبها يطير إلى نزوى دون أجنحة ولو كان بيدها لكسرت وهم الغربة وسياجه وجعلت الزمن الذي تقف عنده يحط رحاله بقلعة نزوى وتستبدله بزمن آخر لا يشيب ولا ينقضي ولكنها تدرك بأنها تعيش في زمن الواقع وبأن ذكريات  النخيل بمخيلتها ما هو  سوى نخل مغطى بأشباه مريم تدون على متنها ذاكرة أرهقتها الأسفار ، فتاة قروية  نزلت بأراضي مكسيكية طارت وحطت رحالها على خليج المكسيك والبحر الكاريبي كلما سمعت بالمكسيك تذكرت ارض الذهب وحضارة الإنكا التي أغرت الأسبان على غزو المكسيك واحتلالها لقد أضافت على حبها لدراسة الحضارات حب من نوع آخر تحدت فيه روحها وعقلها وقلبها انه حب ارتياد السواحل وهواية الغوص الذي اتخذتها كمهنة لها تمنت لو كانت مثل تايلور حين اتخذ من  موقعه تحت الماء   وصمم الكثير من تماثيله وتكويناته الفنية لتعكس رؤية فنية تصادق البيئة وتعمل معها، متخذة  منها ملهمة لها  فيشارك بها تحت عنوان  ً الرجل المحترقً في متحف النحت العائم بالمكسيك ، حملت بعضها لتنام ليلتها بهدوء في مدينة اكابولكو درة المكسيك ورغم أصوات  وضجيج الصيادين بمنازلهم المحاذية لفنادق اكابولكو المكسيكيه الا انها نامت ليلتها في هدوء تحملها شواطئ نيسان ولياليها في شتاء هادئ وجو نظيف في إسترخاء ولم تستيقظ سوى على صراخ هواة السباحة بحمامات البحر بمصيف بلايا هورنوز أطلت من شرفة غرفتها بالفندق في صباح عطلة هادئ على خيوط النور والغناء وضجيج الصيادين وصراخ المتسابقين من هواة الغطس والسباحة في الحمامات المائية وحين أطلت من شرفتها على مرفئ المحيط الباسيفيكي بقيت تنظر للماء وكأن تلك المياه تسحب ذاكرتها الى أعماق تنوف ومياهها العذبة لحظة نزول المطر عليها وبداخلها يسري حديث الأمنيات فتقول ممنية نفسها : ليتني بواد تنوف الآن  بين جداول مياهها اكتب مذكراتي لقد شعرت بأنها لو بقيت لحظة واحدة فقط على شرفتها ستلفظها تلك الشواطئ وستجرفها الأمواج متسللة من تحت قدميها لقد غام بها الدمع وهي تسترجع حضارة وطن عربي خليجي بأكمله ومدن عريقة من مدنه  كمدينة نزوى بما فيها من نيابة الجبل الاخضر وبركة الموز مرورا  بدارس وتنوف معرجة على ما بالداخل من ولايات عريقة كبهلا وإزكي ومنح  ، سرى بداخل أذنها صوت والدتها وهي تناديها لتعود فبقيت كنجمة تضيء في سراب الغربة فهي تعلم يقينا بأن دراسة الحضارات ليست بالأمر الهين خصوصا ما اذا كانت تلك المتعلقة بتاريخ أمم كحضارة الشرق واليونان القديمة او تاريخ روما وإمبراطوريتها ناهيك عن حبها الذي غير مجرى تاريخها لدراسة تاريخ سومر والسومريين  على وجه الخصوص  بقيت تعد الايام يوما تلو الآخر والليالي ليلة تلو ليلة على امل ان تنهي ما جاءت   لأجله الى المكسيك  وبقيت هي ومن معها من الجاليات العربية في بلد غربي جيلا تلو جيل حاملين حقائب سفرهم  في ميادين المراهنة .

السبت، 16 مارس 2013

بقلمي : رحلة سورية على قرط إمرأة عربية

 


قلمي : رحلة سورية على قرط إمرأة عربية
من ريف دمشق إنطلقت الحكاية وكأي طفلة عربية فارقت خطواتها تراب بلدها الأم وأسرتها هناك ، يومها الظلام كان دامسا في حمص ، خرجت لا تعلم لها مقرا لتتلقفها دماء الهزيمة عندما رأت منزلها بحمص قد تهاوى تحت قصف المدافع وقد غرق في بركة من نهر دم أبيها وإخوتها ، هي عروس دمشقية سورية لا تستطيع نسيان صدر نهر العاصي وهي تنام عليه كأي طفلة صغيرة تنتظر ريعان الأنوثة عند مصبه ، كم تألمت وهي ترى براعم أطفال الحجارة بالقدس العتيقة عرايا ، وذرفت الدمعة تلو الدمعة وهي ترثي لحالهم ، كانت تتخيل اللآجئون وهم يصارعون الأوبئة ، حتى ذلك الطفل اللبناني الذي فقد منشأة تحت وطئ دمار الحرب سابقا قد سبب لها جرح يثعب لا يقف نزفه ، كان أبيها ذلك الأعمى الضرير من بلدة دير الزور السورية ، وبيت جدها على تل أثري يدعى دير العتيق المحاط بالقصب البري ، عاشت سعيدة منذ طلوع الفجر حتى إبتسامة المساء متنقلة ما بين فصل ربيعي أخضر وشتاء يذوب فيه الثلج بين مزارع الزيتون والكرز وبستان من شجر التفاح والفراولة وحقول المشمش ، إن رائحة القهوة تسري بداخلها حين تتذكر تلك اللحظة التي تستمع فيها لقصص وأساطير جدها وهي تجلس القرفصاء بآذان صاغية لم تستطع بلحظتها تلك نسيان معمل الورق ومحلجة القطن ومعامل الغزل والسكر والأعمدة الخرسانية والمطاحن الآلية وصوامع الحبوب التي بقريتها ، إنها فتاة غير عادية من ينظر إليها يعلم بأنها تشبه نَـبْـتـةُ الوردَ الإيرلنديّ المزروع في بساتين دير الزور وكأن من يستمع إلى حديثها يُشبٍهه بغناء الحوريات وهدهدته ، إنها وردة اللوتس على ضفاف نهر العاصي ، صرخت بأنفاس طويلة حين رأت تلك المدينة من ريف دمشق أصبحت رماد ، لم يعد فيها غير صمت مخيف وطيور جارحة موحشة تقتات على ضحايا الدمار !!
أويعقل يا سورية أن تكوني أولا تكوني ؟ بركان يغلي من نار ؟
وبقايا أشلاء تناثرت هنا وهناك لا بقاء لفيروزيات تغنى ولا لنزاريات تطلق ولا حتى للدبكة على الأراضي السعيدة 
أين تراتيل الراهبات ؟ والموشحات الأندلسية على ضفاف الأنهار وخرير الماء بمطاعم الشام بسويعات الغداء بوقت الظهيرة ؟ 
وأين تراتيل الرهبان وأجراس الكنائس التي تدق بأعياد رأس الميلاد والإنـجـيل الذي يتلى وأناشيد البحر بل وحتى القصيدة ؟ 
حتى رائحة الأرجيلة على عتبات باب الحارة في القرية الشامية أصبحت مقطعة منسية ، نامت بعدها متعبة من هدهدة ٍ أفكارها وإرتطام مخيلتها ، نامت متكأة على صرخة حين لبستها عباءة الحزن ملتحفة ببركة الدم التي غطت كل شيء بالمدينة ولا يزال خيالها معلقا بتلك الصفصافة الكبيرة في تلك الزاوية والساحة الصغيرة التي تقع جنوب جامع الزعفرانة بالقرب من منزل عمتها وهي تتذكر ذلك الشارع الذي يمر بها والمعروف بشارع ابن زهر !! 
ما اروع ذكراك يا شام وما أروع فنجان القهوة التي كانت تقرأه العرافة والبصارة بجميع الأحرف والأبجديات العربية في ذلك الليل البهيم الذي تزينه نجوم سمائك ونور القمر المضيء على ساحة الأمويين وجبل قاسيون بفصل الربيع وبرد الشتاء، أولست أنتي يا شام كما عرفتك ؟
لقد اصبحتي لا يرى الآن منك سوى مرارة نتجرعها لنلفظ ما بقى لنا من أنفاس نـجـرها تحت أول حرف من إسمك وجمال روعة أبجديتك !!
بلحظة غاب فكرها حين كانت تحتسي قهوتها بشرفة منزلها على وقع أنغام فيروز واصوات أطفال قريتها بتلك التلة واليوم حرمت حتى من رائحة البٌن وطعم القهوة الممزوجة بحبيبات السكر ، لم تعد تشتهي القهوة كما كانت !!
ليست لأنها تجهل طريقة تحضيرها ولكن والدتها حين كانت تعدها لأبيها وجدها وهي من بينهم كان لها طعم مختلف لا يفهم أنفاس القهوة وطريقة إعدادها سواها في تلك اللحظة الممتزجة برائحة القهوة، تنام وتصحو حتى الآن على ظاهرة غريبة ، إنها صوت المدافع والرشاشات وأصوات القصف والرصاص ورائحة دم الشهداء التي تفوح بالجهات الأربع على الخارطة السورية تذكرت لحظة أن أخذها والدها على مصيف بحر اللآذقية كان صوت البحر خافتا إلا من هسيس صوت الفيروزيات والأغاني الشعبية التي تجملها الدبكة الشامية ولم يبقى سوى صوت فناجين الشاي بنكهة طعم الياسمين يعطر رائحة البحر ومرتاديه ، لم تستطع حينها أن تنسى ذلك المكان الذي وقعت فيه أقراط أذنيها حين كانت تبكي وهي تبحث عنها كأميرة فينيقية نزلت ببلدة اللآذقية تلك ، وأكاد اجزم بأن جميلات اليونان لن يستطعن مجارات تلك الفاتنة التي لا تعرف سوى حضارة التاريخ ومتعته إنها جوليا الشام التي سماها والديها به نسبة إلى تسمية يوليوس قيصر للآذقية حين اطلق عليها هذا الإسم لندرتها وتميزها عن باقي المدن ، أصبحت الآن معاناتها أكبر إنها مبتدأ رحلة سورية على قرط إمرأة عربية في خضم ويلات من نكبات الربيع العربي مطرقة رأسها ومزدحما بالعديد من التساؤلات التي تطرق أبواب أفكارها واصوات تنادي عالمها المسكون بقصف الرصاص وقذائف المدافع بأن تبحث لها عن أرض اخرى لتنعم فيها بالراحة والأمان . لكن صوت آخر ثائر ينبعث من قوقعة أذنيها يشير لها بالبقاء ، قائلا لها : مهما أحكمت قبضتك يا شام سيعود مجدك يوما ولن تطول المدة ما زالت تقول لنفسها بأنها ليست في قوقعة القيامة فلا يزال مرفأ ا لشام باقي وسيعود العاصي يمضي من جنوبك حتى الشمال وستدور كذلك نواعيرك العملاقة يوما كما كانت على جنبات النهر بين بساتين الفراولة والكرز وحقل المشمش والتفاح وستعود الخضرة يوما بين ساحاتك الدمشقية وأزاهيرها وستفتح ابواب حارة بدمشق جديدة . وسيتجه نهرك يا شام كما كان إلى الشمال ليصل مدينة أنطاكية في لواء اسكندرونة السوري وستنتهي دماء هاملت لتعود محطتك صامدة بعيدة عن غارات من لجج زخات قصق الرصاص وسوف تنجلي أنهار الدم المسكوبة بترابك مع نهاية رعشة مخاض أخير بطلقة صرخة طفل يولد تشرق عليه شمس قاسيون من جديد تسجل في كهوف التاريخ بحبر مسكوب برائحة زهر اللورييت الفرنسية الممزوجة بعبق زهرة النانيس الفرعونية وستنطلق أمجاد سورية كمدينة نانيس التي لم تستسلم ولن تخضع للحروب الصليبية .
بقلمي : السُـهاد البوسعيدية 
من القصص المنشورة بالوطن العمانية

 



الأحد، 10 فبراير 2013

بين جنتين : " جنة الفيقين بولاية منح وجنة بهجة الأنظار بولاية صحار "

 
 
بين جنتين : " جنة الفيقين بولاية منح وجنة بهجة الأنظار بولاية صحار "
من حبها للكتابة كانت تنام على ورق الأعشاب ،، وتلتحف بأوراق الموز ، كان غذائها الأبجدية تستمد قوتها من قوة الكلمة وصلابة الحرف ، فتشبعها الرواية إذا أنهتها ، هي إمرأة لا تتكرر سوى مرة واحدة ، الذي يراها لأول وهلة يعرف بأنها لا يغطي وجهها أجنحة الثعالب وأقنعة الحرباء ، ولكنها تخاف خوف العشب حين يشعر بأنه قد حان أوانه ليجزوه بالمجز ، بعض الأحيان تلبس جلباب المثالية ، وتود لو بيدها أن تركب الكمال لتصبح متفردة عن البشر خصوصا في مجال عملها ، تهوى ميادين السباق لذلك تكاد الآن على مقربة من أن تمسك الدكتوراة بيدها ، أحبت الفروسية وعشقت ركوب الخيل ، تجيد السباحة وفن العوم مبحرة بين شلال الكلمة وأمواج الحرف ، ما أن يكتمل بيت القصيد لديها حتى تستعد لتبني بيتا غيره عاشت بين جنتين ، جنة بهجة الأنظار بصحار حيث والدها يعمل هناك ، وجنة منح بداخلية عمان تحديدا ولاية الفيقين ، كان أمامها شريط من أفلام لا ينتهي عندما تتذكر جمال العجائز الباهر التي إرتسمت على وجههن ملامح الزمن وحفرت التجاعيد فيه معاناة الحياة الريفية وقسوتها ، ورغم ذلك كانت العجائز بديع خلق من جمال الله بمخلوقاته ، حيث الوجه الخالي من مساحيق التجميل والماركات الخادعة التي أتقنتها صرخة قرن الحادي والعشرين ، فالمسك كان عطرهن والكيذا كانت رائحتهن والورس والصندل والزعفران الذي إختلط مع المحلب كان يزين جبينهن ،فالبساطة والتواضع في قرية كقرية الفيقين جعلت منها كظلال شجر يقودها إلى حيث الأمنيات أجمل ذكريات عاشتها في منزل جدها المبني من الطين ، واللحظات السعيدة كانت لديها حين تجلس على ركبتيها تستمع إلى جدها وهو يحكي لها حكايات تاريخ حافل عاشه ما بين عمان وزنجبار ، منتقلا بين عمان الداخل وشرقي افريقيا الذي تعطر فم القرطاس فيه رائحة القرنفل عندما يحاكي ثراء الزمن آنذاك لكل عماني كان قد ذهب إلى زنجبار ، وفي ذروة الحدث حملتها السيناريوهات إلى قلعة منح وفلج الشريعة وحارات الفيقين وأزقتها الضيقة التي تنشرح لها النفس ، جريان الفلج في السواقي كان بالنسبة لها معزوفة من الموسيقى الكلاسيكية وحفيف النخلة كان لها سيمفونية من الفلكلور والتاريخ العماني أما بيوت الطين ورائحة التراب حين يختلط ممتزجا بالماء جعلها كبطل يتصدر الصفحة الأولى في حلبة السباق مع الزمن ، لا تزال رائحة بيوت الطين حين تلامسها المياه بالنسبة لها مميزة ، وتشتهي شم تلك الرائحة الزكية في نظرها ، ومزارع بيت جدها تفوح منه رائحة التوت البري الذي يعرف بالفرصاد ، فكم من الأيام صعدت إلى قمة شجرة الفرصاد متسلقة أغصانه بشقاوة الطفولة لتقطف حباته ، وجرت بين سواقي الأفلاج وأعشاب المزارع تتسلق شجرة التين ، تتبع أصوات الفنازيز محاولة أن تطير مع طيران الجراد في ذلك الوقت ، ثقافة جدها التاريخية والإسلامية جعلتها تقتني مكتبة من التاريخ الشفوي حين يحكي لها قصص العمانيين ومعاناتهم قبل عام السبعين ، فتتعطش وتشتاق للجلوس بأحضان جدها بعد كل صلاة عشاء وهو عائد من المسجد تسلم عليه تمد له يدها لتتناول منه حبة الشوكولا أو الحلوى والتي حتى في طعمها ومذاقها تختلف لذته آن ذاك عن طعم الشوكولا والحلوى في أيامنا هذه ، إن السرد التاريخي لرواية جدها عن العمانيين في زنجبار وعمان في الداخل قد أكسبها ثقافة تاريخية جعلتها تعشق الحضارة والتراث وتهيم في حضارات أخرى كحضارة اليونان وبابل وآشور وسومر والأغريق ، إن عصرا كعصر ذلك الزمن كان جنة مشيدة بالطين وفق بناء هندسي عجيب وتلك الحارات الرائعة التي تجري تحتها الأفلاج من بين السواقي متخللة تلك المنازل الأثرية كانت تحفة معمارية رائعة ، بدأت الذهاب إلى مدارس تحفيظ القرآن وكان عمرها ما بين الثالثة وحتى الرابعة مع أولاد عمها في حارة الفيقين لحظة أن تلمح الصبية الصغار وهم حاملين مصاحفهم على روؤسهم وبين أياديهم ، منتعلين ببساطة تلك البيئة نعال الزنوبة ، يجلسون في حلقة دائرية والمعلم بمنتصف مركز الدائرة ، بدأت معهم تردد ألف ليس له ، والباء تحتها نقطة والتاء فوقها نقطتين ، ففطن لها عمها الذي كان هو نفسه من يقوم بتحفيظ الصبية الصغار الأبجدية والقرآن ، وأخذ بيدها لتحفظ الأحرف الهجائية فبدأت طريقها ما بين جولات الحروف وتلاوة حفظ القرآن ، ولكنها سرعان ما تمل فتهرب من خلف الصبية الصغار بجسمها النحيل الهزيل إلى الدكان الذي يقع في حارة الفيقين وتدخل من بابا يسمى باب الصباح كان يفتح لحظة أن تبدأ الشمس في الشروق ويغلق حين يداهم الحارة الظلام وتلبس جلباب المساء ، إن بيت جدها كان تاريخ من الذكرى يحن قلبها إليه فهو عبارة عن دورين بأبراج شرقية وأخرى غربية ، فعاملون المنزل وزوجاتهم كانوا بالدور الأرضي الذي به غرف صغيرة مظلمة تسمى الصفة ، تتوسطها غرف أخرى تخبأ فيها أواني التمور التي تعرف بالخرس والمصنوعة من الفخار للحظات الشتاء عندما يودع العمانيون الصيف بما فيه من رطب الخلاص والخنيزي والفرض الذي يعرف بعمود الأرض مع مجالس للضيوف تسمى السبلة ، وساحة البيت بالمنتصف تعرف بالعرشة وهي باحة مكشوفة يجتمع فيها العاملون بالمنزل لحظة قيامهم بتنقية الحبوب مثل البر والقمح ، والحنطة ، و الأطفال الصغار تجلس بجوارهم ترقب ما يفعله عمال المنزل وتستمع ما يتحدثون فيه من كلام المزاح والضحك وكذلك الغناء الذي كان يردده البعض منهم ، لا زالت تذكر أسماء كل من مر بالخدمة في بيت جدها ولعبت معهم وهي طفلة صغيرة وبعضهم حملها على كتفه فأضحكها وأبكاها ، كانت تتطلع إلى كل شيء غريب ومتميز ، فأكسبها ذلك الدخول في حلبة المنافسة والتفرد ، فهي تحب أن تكون الأجمل ذات الأناقة العالية واللباس الجميل ، والحديث اللبق المرتب فتجدها من سابع المستحيلات أن تنزل من أعلى البرج الشرقي ببيت جدها دون أن تكون قد قامت بتغيير ملابسها وتمشيط شعرها ، كانت تنافس حتى جدتها وزوجات جدها الأنيقات ذوات الجمال الطبيعي فكانت تأخذ من عطر جدتها خلسة من ذلك المندوس الذي تم تقسيمه للعطور والملابس وتراثيات من سعف النخيل يكنس بها الأرض وتستخدم بعضها كمروحة يدوية وقت الصيف ليدفع بها الحر الشديد ، ولحظة نزولها من الأعلى تشم رائحتها من على بعد أمتار فيعرف عاملون المنزل بأنها هي القادمة رغم صغر سنها ، فكان بعضهم حين يحب مشاكستها يقول : إني أشم رائحة ورس وبعض الأحيان يقول إني أشم رائحة مسك مخلط بزعفران وعنبرية ، فترتبك خوفا من كلامه حتى لا تسمعه جدتها فتعرف بأنها قامت بفتح المندوس ورغم كثرة الغمزات والحمحمات لهؤلاء العمال إلا أنهم مصرون على مشاكستها فلا ترى سوى إبتسامة جدتها لتسحب من فورها نفسا عميقا مبتسمة ببراءة الطفولة ظنا منها بأن جدتها قد إنطلت عليها تلك الحيلة رغم أن رائحة العطور كانت تملئ المكان فكبرت وأستمرت على نفس حالتها تلك ، فهي وإن كانت كبوصلة لكنها لا تتوه وسط الزحام لذلك تراها تقرأ رمل البحر وطين القرية ، فظلت حتى اليوم مكتسبة جرأة تفوق الخيال ، وثقة بالنفس ، وأناقة بالمظهر مزجتها بعطور باريسية غربية وثقافة شرقية بطابع عربي ،فكانت تجمع مع فكرها الشرقي فكرا غربي يجمع ما بين أصالة ومعاصرة ، ورغم أنها كبرت وارتبطت بأسرة وأولاد إلا أنها كانت ولا تزال من العناد الشديد الذي يجعلها حتى يومنا هذا تكره فيه لبس العباءة السوداء التي تلبسها النساء بالرأس والأكتاف مقتنعة بأن العباءة ما هي سوى دخيلة على المجتمع أتت فكرتها من شرق أفريقيا وتسمى البوي بوي ( Poi Boy AL)، ومن بعض بلدان الخليج العربي ، أما الجدات فكانت تلبس ما يسمى بالليسو قبل أن يرتدين العباءة ، فبقيت مقتنعة بأن اللباس الشرعي هو الذي لا يصف ولا يشف وأن العادات والتقاليد بعضها متطور يدخل عليه الحداثة بتغير الأزمنة والأمكنة ما لم يخالف الدين الإسلامي والفطرة التي فطر الله عليها كل مخلوق من مخلوقاته، فكانت حياتها بمثابة درس لا يحتمل التأويل إنها حتى يومنا هذا لم تستطع نسيان ذلك التلفاز الذي دخل بيت جدها المتعدد الأبراج ببرجيه الشرقي والغربي وكأن مخلوقا فضائيا قد نزل وبداخله مدينة من البشر تتحدث وتتكلم ، أما هي وبذاكرتها المحملة بقرطاس الزئبق ومداد الريحان كانت تشاهد المذيعات اللآتي لمعن في الساحة بتلك الحقبة فأحبت أن تقوم بتقليدهن ومراقبة قراءة النشرة الأخبارية وطريقة تصفيف شعرهن وتهذيب أظافرهن فأدركت أن المظهر والجوهر مرتبطان مع بعضهم لا يمكن أن ينفصلا ، كثيرا كانت تحب أن ترفع راسها إلى السماء لتطالع النجوم وتنظر إلى قلعة الفيقين الشامخة فأكسبها ذلك درسا طوال حياتها من بين تلك الدروس حب القيادة والتنافس الشريف ، كثيرا تحب الظهور على الساحة لذلك تجد حياتها مليئة بتخطيط إستراتيجي فهي لا تقدم على خطوة إلا وقد درستها ووضعت لها هدفا إستراتيجيا عاما تتفرع منه أهداف فرعية خاصة وترسم له سيناريوهات وبدائل مهما كلفها ذلك من خسارة فالتخطيط الجيد يعلمها الإستمرار في النجاح والصعود إلى أعلى القمة ، وفي غمرة من الزمن حملتها أقدار ها وكفوف والدها إلى صحار وتحديدا مزرعة بهجة الأنظار الذي كان يعمل بها والدها ساهرا الليل والنهار هناك ، فأتخذ من مزرعة جلالة السلطان قابوس حفظه الله تعالى دفترا من سجل الذكريات الجميل الذي يقبع على سمات الزمن لحظة عزف الوتر وإنسياب حفيف الشجر ، وأعتبرت هي نفسها في تلك الفترة بمثابة فرصة جميلة لتتعرف على بيئة أخرى بعاداتها وتقاليدها وجمال طبيعتها الساحر حيث يختلط رمل الساحل بأمواج البحر هناك ، فوضعت أدوات صيدها ما بين نافذة صحار ودروازة بوابة بهجة الأنظار ، لا تزال تذكر أول مرة وصلت فيها مزرعة بهجة الأنظار بصحار ، لحظة أن رأت فتاة شقراء ذات ملامح وردية ، وعيون خضر ، تتكلم خلاف لغتها الأم ، تعالى صراخها خوفا من ذلك المخلوق الذي رأته ، وفجأة إحتضنها والدها قائلا لها هذه هي إبنة جارنا موظف في المزرعة وإسمها كاتي ، نظرت كاتي إليها ومدت يدها ورحبت بها وقالت لها :
Hello,
My name is Katie? What's your name?
بدأت منذ ذلك اليوم تتعلم من كاتي اللغة الإنجليزية وتعلمها هي بالمقابل اللغة العربية ، فاستغلت وجود كاتي إلى جانبها في إكتساب لغة وثقافة أخرى غربية تضيفها مع لغتها الأم العربية ، ومع توالي الفصول بدأت رسائل حياتها مغلفا بالبيئة الساحلية الذي تعالى فيها صراخها مرتان خوفا حيث كان : الخوف في المرة الأولى سببه رؤية كاتي ( katy ) أما السبب الثاني فكان البرقع التي يلبسنه نساء الباطنة المتزوجات والذي يزين وجه الأنثى منهن محددا جمال العين حين تنظر إذا ما تجرأت ونظرت إليك لتصبح بعد ذلك أسير نظرة عين برقع بوقت كنت معتقدا نفسك فيه بأنك بلا إحساس كجبل صلب ، للأسف لم يكن خالد الفيصل قد قام حينها بتفصيل أغنية مطرزة بجواهر العربية لتلمع على الساحة بلسان فنان العرب محمد عبده في تلك الفترة من الوقت ليغنيها بصوت يرقص عليها حتى الحجر في مكانه وإلا لأخذ عليها الكاتب والمغني جائزة نوبل بقدر المليارات من الجماهير التي عشق البراقع لوقع الكلمة ووزن الحرف وعذوبة المعنى وسحر العينين وجاذبية الأنثى ورقتها حين سكنت بكل بيت وشارع من شوارع الوطن العربي وأسرت قلوب الرجال قبل النساء والذي يقول فيها :
ما هجيت إن البراقع يفتنني ** لين شفت ظبى النفود مبرقعاتي
الله أكبر يا عيون ناظرنّي** فاتناتٍ ناعساتٍ ساحراتي
كلمات سبقت اللحظة وعبرت عباب الذكرى في يومنا هذا حين تتذكر هي فيها ومعها بهجة الأنظار بصحار ، فتأخذها الذكرى لحظة قدوم الموكب السامي الميمون لمولانا جلالة السلطان المعظم حفظه الله تعالى ورعاه إلى صحار وهم يقفون مصطفين في شوق غامر لقدومه إليهم مصفقين بأيديهم وقد تعالت أصواتهم بالهتاف قائلين : يعيش جلالة السلطان قابوس المعظم ، فيمر موكب النور حاملا معه بشائر السعد الذي يقل فيه تلك الشمس الساطعة على الجوهرة اللآمعة عمان مولانا جلالة السلطان ، وما أن يمر الموكب الميمون حتى تشاهد من بعيد أوراق من العملات النقدية تتطاير بالبشرى من فيض كرم جلالته وجوده ، فيبدأ الصغير والكبير يتدافع ليأخذ نصيبه من تلك العملات والريالات العمانية ، ورغم إن هناك رسائل مصيرها الضياع إلا أن رسائل جنة منح وجنة بهجة الأنظار بصحار من المستحيل أن يشوبها الضياع ، فكم من الليالي سهرت أعين أحبة في مزرعة السلطان قابوس ببهجة الأنظارفطابت أحاديثها لدى المتسامرين ، وكما حفرت قلعة الفيقين عمق إسمها في ذاكرتها حفرت قلعة صحار عمقا آخر ، كمنعمة في غدير ريف يجري لحاظها تسترجع أنفاسها من الذكريات وهي زهرة من الأزهار تتدرب أمام الحصن إستعدادا لحفلة العيد الوطني ، ومنذ أن إرتدت ملابس الأزهار والمرشدات تمنت أن تكون ذكرا يلتحق بمدرسة ساندهيرست العسكرية لتخوض التدريب بكل جرأة ومخاطرة ، كثيرا قد جلست تحت شجرة السفرجل ممسكة بدفتر مذكراتها وقلمها تحلم ولو لمرة واحدة وهي تسكن في منزل من منازل مزرعة بهجة الأنظار تنتظر خروج الموكب السامي المقل لجلالة السلطان المعظم لتراها على أرض الواقع تصافحه وتسلم عليه ورغم ذلك كان قدرها لم يسعفها ، فبقيت رائحة شجرة السفرجل تعطر ذكرياتها في مزرعة بهجة الأنظار وهي كجنة عذبة رتعت فيها منذ نعومة أظفارها علاوة على أنها حصن يحمي جلالته والوفد المرافق له ، دخلت المدرسة بصحار وكانت معها الشقراء katyكاتي بالصف الأول ولكن كاتي لم تتكيف على البيئة المدرسية فعادت للدراسة بوطنها أما هي فبقيت كغصن شجرة يكبر وينمو والطموح والأهداف تقودها ليصبح لها شأنا عظيما ومكانة متميزة في وطنها الأم فعشقت المدرسة والتعليم واكتسحت من بين الصفوف الأنشطة المدرسية وتفوقت في تحصيلها الدراسي فكان والدها يذاكر لها دروسها بالمنزل وتمشي معه حتى دروازة بهجة الأنظار بصحار متخذة ركنا لها من أركان تلك الدروازة تستذكر فيها دروسها عين على الكراس وعين على الكتاب وهي تدعوا ربها أن يأتي الآن جلالة السلطان المعظم لتراه وهو يدخل تلك المزرعة الجميلة التي سهرت فيها أعين أحبة تناجت وتسامرت فسكنت بداخلها كسكن قصر في جنة عدن، وماتزال تذكر تلك الجنة الجميلة الوارفة الأزهار والظلال ذات الرياض الرائعة التي يحن لها القلب ويعشق ، والتي جنت من خلالها وهي يانعة جنى ثمار تلك المزرعة من السفرجل والرمان والتين ، واستنشقت من خلالها هوى نديا ساري مع رائحة زهر الورد المحمدي المزروع أمام البيت، ولا زالت تتذكر حتى اليوم تراب تلك المزرعة بهجة الأنظار لمولانا جلالة السلطان والذي رتعت على ثراها حين يطيب لها أن تمسك بخرطوم ماء تقلد المزارعين بها لتروي بعض شجيرات الورود أمام المنازل الصغيرة للعاملين هناك ، وبقيت ولا تزال اقدامها تقرأ الرمل بين جنتين جنة منح وجنة بهجة الأنظار بصحار . وهي تقول كما قال يزيد بن معاوية مختتمة حديثها : وقولوا لها : يا منية النفس إنني.. قتيل الهوى والعشق لو كنت تعلمي !
 
 بقلم : السهاد البوسعيدية

الأحد، 2 سبتمبر 2012

زهرة ياريس على كوكب باريس

 
بقلمي :
 
لم أكن أفهم نفسي من قبل فقد كانت أبواب الخيال تعصف بمحيط أفكاري ، ربما وددت في هذه الأثناء أن أرى غيمة ماطرة تحرك أعمدة فضائي الواسع تفتح خارطة العالم من حولي تمنحني حريتي حتى تبعد أوتار سكوني عن صمتها لقد عجزت سفن العالم في المحيطات أن تغير من عادة إعتدت عليها ،
ومن عادتي دوما القيام بالإبحار كإعتيادي على الطيران عبر القارات السبع فالمرء يكره أن يعيش في مكان واحد دون حراك منه ، فكنت إذا هفا بمخيلتي برق المنى والمغامرة ذهبت لأركب أمواج البحر أنتقل من جزيرة لأخرى مهما كانت الرياح عاتية والمياه مرتفعة أظل أسافر معها في صمت متخيلة جبل أوراس بمراعيه الكبيرة ومياهه الغزيرة ،في خيالي ألف سؤال ولكن ليس في جعبتي لهذه الأسئلة ولا إجابة واحدة .
كنت أحمل بيدي كتاب البؤساء لفكتور هوجو حين تذكرت بيزانسون الفرنسية وقلعتها التي بناها سيباستيان فوبان تناولت فنجان قهوتي المحلاة بالسكر لأتابع في صمت جزئيات الكتاب إستحضرت الظلم الذي يقع على العالم ولم يلتفت أحدنا سوى على ظلم نفسه فقلت لنفسي كما قال هوجو : ، "كل صخرة هي حرف وكل بحيرة هي عبارة وكل مدينة هي وقفة، فوق كل مقطع وفوق كل صفحة لي هناك دائما شيء من ظلال السحب أو زبد البحر".
بدأت الأحلام تنزل كصور حقيقية على عالمي الواسع تذكرت خلالها نابليون ومعالم باريس وأنا واقفة بين معالم فرنسا الشهيرة اقبع على نهر السين وتحفني أشجار الكستناء ، شعرت وقتها أن في قلبي زهرة.. لايمكن لأحد أن يقطفها خصوصا وأن أذهاني كانت عالقة على أضواء مدينة النور باريس وخيال مسراها الطبيعي وبرج إيفل يظهر جوانب من شخصيتي ،وفجأة تعثرت وسقط خاتمي الماسي الذي كنت أرتديه و يزين الوسطى من إصبعي ،تذكرت أنه هدية عمي في يوم ميلادي إنه لمسة وفاء رأيته لحظة أن قدمه لي في علبة نقشت على جدارها صورتي وأول حرف من إسمي بتلك اللحظة الأفكار سكنت مخيمة في عقلي وبدأ الصداع ينتابني برأسي دون أن أعلم هل أضحك أم أبكي فأصبحت كمن سقط عليها برج إيفل بأكمله ليس حزنا في الخاتم الذي فقدته بقدر ما هو عطاء من شخص يمثل بالنسبة لي رمز معزة بقلبي ولا أحد في منزلة عمي بقلبي غير أبي ، غاصت افكاري في شوارع باريس ونهر السين حتى غرقت! وأنا اسأل نفسي أين من الممكن أن يكون قد وقع هذا الخاتم بعد أن سقط من إصبعي ؟ بدأ الدمع يغرق عيني حتى إلتف حولي معظم مرتادي الشانزليزيه محلقين كالدائرة ، ورغم الحزن الجاثم بصدري والدمع المتناثر كحبات البرد من عيني إلا أن الأضواء الباريسية المتعددة الألوان تلونني كل ثانية بلون مختلف ،وكان وجهي يشع إشراقة كأميرات العائلة الملكية في العصور الوسطى فمن يرى وجهي الذي يخفي الكثير من الألم يظنني باريس هيلتون اتت فوقفت هناك أذكر حتى تلك الرشات التي وضعتها من رذاذ عطري كان من باريس جاليري ،تناثر دمع إمرأة عربية فأستيقظ من هم هناك على نهر الدمع وتعجب الجميع أكثر من دموع كهذه تنثر على خاتم ماسي في خطوات الليل كان قد وقع على ضواحي شوارع باريس ،
لقد عذرتهم لأنهم لم يفهما سحابة دمع كانت تلف مغلفة عيون شرقية تنتظر ساعة الحظ تحالفها لتلتقط متفائلة خاتما سقط سهوا من يدها حتى كاد بعضهم يظن ذلك سيناريوا يعد ويجهز لعمل درامي يخرجه مخرج محترف !!!ولو عرفوا سبب حزني على ضياع الخاتم في شوارع باريس لعذروني ،بكيت رغم جمال ما يحيط بي من نهر السين والشانزليزيه ومتحف اللوفر ولكن كل ذلك لم يثني تفكيري في خاتمي الذي سقط من إصبعي فكنت أصحو منذ الصباح الباكر كقلب يتيم يفكر في صمت وأجلس على حافة سريري أحاول أن أزيح العتمة التي تحيط بعيني وكنجمة بردانة أجوب شوارع الشانزليزيه مرورا بقوس النصر وحتى ميدان الكونكورد مشيا على قدمي دون أن أشعر حتى تطبق أهدابي جسرنهرالسين برجلين مثقلتين أنهكهما التعب أستمع على صوت أنين الناي أحاول فتح نافذة ربما تكون هي النافذة الأخيرة التي أستعيد بها وعي فتاة أصيبت بصداع جعل من جبهة رأسها كزئبق أرواح هادرة ، حيث لا أفق ولا فضاء كتلك الأقفال التي أحكم إغلاقها على ممر نهر السين دون أن تحظى حتى بمفاتيح منسوخة لتعيد فتح القفل من جديد وبثورة من الضعف و الغضب كدت أقطع إصبعي التي سقط منها الخاتم ،تعبت وخيم على عالمي المساء فذهبت إلى الفندق المجاور لحديقة فيرساي بقلب صامت يقف على رعشة الفكر والكلمات ,وما أن دخلت غرفتي حتى غرقت في سبات عميق ملتحفة برداء طفلة رائحته عطر أمي أستنشقه في زوايا باريسية تؤرجحني الأحلام على أحضانها في مطبخ بيتنا الصغير وهي تعد لي الحلوى وفنجان قهوتي المعتادة مع قطعة السكر مر الإسبوع والإسبوعان على ضياع الخاتم وأنا أبحث في إنتظار علني أجده والكل من حولي نيام ومازال الحزن مخيما على صدري تبدو ملامحه على وجهي كشرنقة سكنها التعب على ضياعه في حين موعد سفري يقترب ولم يعد لي متسع من الوقت سوى لملمة حقائبي والإستمتاع بما تبقى لي من ساعات بجمال باريس ومعالمها الرائعة حملت دفتر مذكراتي وجلست أستمتع بمنظر الماء بغابة فانسن تجذبني مسابقات الخيول وعروض الفروسية خطرت ببالي في لحظة جنونية بأن أذهب إلى قوس لاديفانص مستقلة المصاعد الكهربائية لألتقط صورة بانورامية على باريس التاريخية وهناك وبدون إذن مسبق إنتابني الصداع فأصبحت كمسافر دون حقائب ماطرة يقصمني سيف الألم المنزوع من غمده وشعرت بأن معالم باريس تدور وتتحرك من مكانها ، حتى فنجان قهوتي الذي حملته بيدي رأيته يهتز والقهوة تسقط على إصابعي رغم سخونتها لم أشعر بها 0 ظننت بدايتها وكأن زلزالا قد عصف بتلك المدينة الساحرة كل من يمر بي ينظر لي كأنثى تخطفها الريح فيشفق على حالتي علمت وقتها بأن دفتر مذكراتي قد أغلق بين شوارع باريس حاملا بريد بدون أي عنوان يذكر غبت عن الوعي لساعات طوال فتحت عيني بعدها على سرير غير سريري الذي عرفته فعلمت بأني بمستشفى هوتيل ديو ، وأمامي طفلا مشرق الوجه جميل البسمة لم يتجاوز العاشرة ممسكا بعلبة حلوى صغيرة مغلفة ممسكا بوردة حمراء ظل يبحث في وجوه المرضى أمامه
ثم نظر إلي بصمت وأبتسم ثم قال:
bonsoir
enchanté de vous voir
أي مساء الخير وأنا سعيد جدا برؤيتك
c'est ma faute
je ne 'ai pas fait exprès
excusez-moi d'être en retard
je suis désolé de vous faire attendre
je m'excuse,je dois partir
وفجأة تلعثمت شفاهي رغم فهمي لما قاله إلا أني لم أستطع الرد عليه ولم أفهم ما يعنيه بقوله أنها غلطتي لم أقصد هذا إعذريني لتأخري آسف لجعلك تنتظري وسحب بعدها نفسا عميقا ثم قال : أستأذن علي أن أذهب ثم إنصرف وتركني ،
سألت الممرضة الواقفة بجانبي عن هذا الصغير ـ فأجابت بالنفي أنها لا تعرفه وعلى جانب من سريري الراقدة فيه لم أعر للوردة والعلبة أي إهمية ، بعدها بيومين تركت المستشفى متناسية ما أحضره لي الصبي وأنصرفت للفندق إستعدادا للسفر وخارطة العالم العربية ما بين فكري وأهدابي ، نمت ليلتي تلك في هدوء دون أن أفكر بأي شيء حتى أن خاتمي قد نسيته فلم أعد أفكر به ، ما أصعب الساعات وهي تمر سريعا في أجواء باريس وشوارعها الرائعة ،نظرت من بين ستائر شباك غرفتي بساعات المساء إلى نهر السين واضوائها الباهرة ولمعت ذاكرة الوطن أمامي وبلحظة تأمل طرق العامل باب غرفتي لحمل حقائبي كان بيده يحمل علبة الشوكولا ووردة حمراء يابسة ،وأنا مبهورة بأضواء المساء دهشت من إحضارها وكأن الدهر يهديها لي دون إنتهاء فقال: بأن إدارة المستشفى أرسلتها لك ، ضحكت في نفسي وقلت له حسنا دعها وهيا بنا
وبلهفت المشتاق إلى وطنه حملت تذاكر سفري يسحبني شوقي إلى أهلي كثقل حجم الحقائب التي معي نظرت للساعة خوفا من ضياع الطيارة التي لا توقيت لإقلاعها وبقيت حقيبة واحدة بالغرفة مع الوردة وعلبة الحلوى هناك فلست من محبي الحلوى كثيرا ، قد تجد من يأكلها ،وحين صعدت للسيارة أحضر العامل الحقيبة الأخيرة ومعها ايضا الوردة وعلبة الحلوى ،وهو يقول : لابد أن يأخذ النزيل لدينا جميع مقتنياته ،إنتهى الوقت وغادرت الفندق و أنا في طريقي للمطار شعرت بإعياء وأطرافي ترتعش فعلمت بأن السكر قد إنخفض عندي من يوم شاق وثقيل ، لقد حان وقت الحاجة لعلبة الحلوى وما أن جئت لفتحها حتى كانت المفاجأة التي هي كميلاد رأس السنة بأكملها والتي يصنع وجودها لحظة عيد بباريس إن بداخل العلبة بطاقة كتب عليها شفاك الله سيدتي ، "كنت انظف الأحذية للمارين حين سقط خاتمك من إصبعك و تدحرج على الأرض تحت عدتي إحتفظت به وها هي الأمانة ردت إليك "إنها بطاقة عادية كتبت بيوم إستثنائي غير عادي كتأشيرة خروج لا تصدقها حتى القصة والرواية وبسبب كبر حجم الفرحة بداخلي نسيت نفسي أين أنا حين صرخت بأعلى صوتي أحمد الله ربي وبتلك الأثناء ظن سائق التاكسي الذي يقلني إلى مطار شارل ديغول بأني فقدت صوابي لقد كان خاتمي الذي حزنت على ضياعه يحمل سورة يس بداخله فخشيت أن يقع في مكان تملأه القذارة أو يقع بيد من لا يعرف قيمته فيدخل به في أماكن نجسه أو يداس بالأقدام ساعتها فقط كنت على يقينبما قيل أنه : " وعلى نياتكم ترزقون " فأصبحت لا أخشى طوفان قطار أو ضياع حقائب سفري في الزحام رفعت رأسي على سماء ملبدة بالغيوم وعلى أرض لها حدود وجغرافيا وتاريخ كافح من أجله الجدود وفي النهاية ختمت كتاب البؤساء بما قاله فيكتور هوجو"الشرق عالم ساحر مشرق وهو جنة الدنيا، وهو الربيع الدائم مغمورا بوروده، وهو الجنة الضاحكة، وأن الله وهب أرضه زهورا أكثر من سواها، وملأ سماءه نجوما أغزر، وبث في بحاره لآلئ أوفر" "
بقلمي : السهاد البوسعيدي